إغراء السلطة المطلقة.. مسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن

مقدمه

اتَّسمت العلاقة بين الشرطة والمواطن على مرّ العصور بقدر كبير من الحساسية؛ نظرًا لما تمثله الشرطة من تعبير صارخ عن السلطة التي تمسك بزمام الأمور في الدولة وما تملكه من أدوات للردع والعقاب وتتوقف هذه العلاقة إلى حدٍّ كبير على مدى ما يتمتع به المجتمع من استقرار وتوازن في الحقوق والواجبات وما يتميز به من احترام القانون والعدالة والحفاظ على مبادئ الديمقراطية والمساواة..

ولقد صدر  عن دار صفصافة للنشر والتوزيع بمصر كتاب تحت عنوان إغراء السلطة المطلقة.. مسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ، للكاتبة الدكتورة بسمة عبد العزيز.

بانوراما تاريخيَّة

والكتاب يتتبع مسار علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ، وسبق له أن فاز كبحث بجائزة أحمد بهاء الدين للباحثين الشباب في مصر، قدّم للكتاب الكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة، الذي أشار إلى أنه لا يمكن في الواقع العملي فصل العنف في العلاقة بين الشرطة والمواطنين عن سيادة العدالة والقانون واحترام حقوق الإنسان في مجتمع ما، فحيث تزداد مظاهر العنف في تعامل الشرطة مع المواطن، تقل أساليب تطبيق العدالة والقانون، ويزداد غلو السلطة الفرديَّة والبوليسية في تأكيد نفوذها… إلى الدرجة التي نراها -أحيانًا- من صدام بين القضاة كونهم رموزًا للعدالة وضباط الشرطة كونهم جهازًا تنفيذيًّا قد يُعهد إليه في بعض الأحيان بوضع السياسات والبرامج التي تتبناها الدولة، ما خلع على صورة الشرطة في وعي المواطن قوة ديناصوريَّة هائلة ليست في خدمة الشعب بل في خدمة الحاكم.

ويعتمد الكتاب في مادته على المواطن الذي لا ينتمي إلى أي حزب أو جماعة أو أي كيان معارض سياسيًّا كبؤرة أساسية للاهتمام، لذا فهو يغفل عدة مباحث في علاقة الشرطة بالمجتمع منها علاقة الشرطة بالجماعات الدينية وما قامت به هذه الجماعات من حوادث عنف تجاه الأجهزة الأمنيَّة وأفرادها، لأن العنف المتبادل بينهما لا يمكن أن يُقَدم كرافد رئيس من روافد التوتر في العلاقة بين الشرطي والمواطن العادي، الذي صار يخشي من مجرد المرور بجوار قسم أو مركز من مراكز الشرطة دون جرم منه.

ولا يستثني الكتاب أنه قد يكون هناك من العاملين من جهاز الشرطة من لا يسره ما آلت إليه الأوضاع ومن لا يستسيغ الأساليب التي تُلحق بالمواطن الإهانة والأذى، ويشير البحث إلى أن من هؤلاء من يترك العمل ومنهم من يحاول الإصلاح، ومنهم من لا يتمكن من الوقوف في وجه تيار ربما هو أقوى من المواجهات الفردية.. فيسير معه مرغمًا.

يبدأ الكتاب بتاريخ تكوين الأجهزة الأمنية، حيث لم يخلُ مجتمع على مر العصور من وجود جهاز أو كيان ما، تكون مهمته الأولى الحفاظ على الأمن وحماية الأفراد والممتلكات وتنظيم شئون الحياة، فقد عرفت مصر القديمة منذ آلاف السنوات أقدم جهاز أمني، وشهدت بناء أعرق مؤسَّسة شرطة في العالم في عهد الأسرة الأولى على وجه التقريب، تعرَّضت الأجهزة الأمنية المصرية بوجه عام إلى تغيرات كثيرة واكبت الظروف التي مرّ بها المجتمع؛ فظهرت لها وظائف ومسميات متنوعة مع كل فترة زمنية خضعت فيها مصر لحكم جديد؛ حيث كان من المحتم أن تلبي هذه الأجهزة متطلبات واحتياجات الحكام المتباينة ـ كلٌ حسب النظام الذي يُرسيه.

ثم ينتهي الفصل الأول بنهاية حكم الرئيس السادات، حيث يشير أن فترة حكم السادات شهدت تراجعًا واضحًا في العنف الموجه للخصوم السياسيين، حتى كادت أحداث التعذيب أن تنحصر في عدد محدود من الوقائع المشهورة، يُذكَرُ منها على سبيل المثال: التعذيب الشديد الذي طال جميع من اتّهموا باغتيال رئيس وزراء الأردن.
وفي منتصف السبعينات من القرن الماضي ظهرت بعض الحوادث التي تم فيها تعذيب أشخاص غير ضالعين في أي نشاط سياسي ولا علاقة لهم من قريب أو بعيد بمعارضة النظام..

  • العنف الأمني وتحولاته في مصر

ويُبيِّن الكتاب إلى أن علاقة الشرطة بالمواطن المصري كانت ذات يوم غير بعيد علاقة طبيعية لا يحفها قدر هائل من العنف كالذي نلمسه الآن، وأنها لأسباب كثيرة بعضها اجتماعي وبعضها سياسي واقتصادي؛ فإن هذه العلاقة الطبيعية قد تبدلت وتحوَّرت لتصبح مليئة بالتوتر والخوف من ناحيةٍ وبالقسوة والانتهاكات من ناحية أخرى، كما تشير الباحثة بسمة عبد العزيز إلى عدم وجود نقطة فاصلة في التاريخ حدث بعدها هذا التحول، لكن الفرضيَّة المثاليَّة في تلك العلاقة، أن فصول القمع تتوالى باستمرار، قد تتوارى في فترة وتشتد في أخرى لكنها دائما حاضرة طالما حضرت السلطة المطلقة وغاب الناس عن المشاركة. وتبين أن سلوك الشرطة تجاه المواطنين العاديين؛ قد انتابته بعض التغييرات التدريجيَّة، إذ ظهرت بوادر لعنف أفراد الشرطة في حوادث متناثرة هنا وهناك، وإن ظلَّت مجرد استثناءات لا تشكِّل منهجًا سلوكيًّا عامًّا.

ويستعرض الفصل الثاني بدايات العنف المنهجي في الثمانينيات والتسعينيات والتطورات التي لحقت به، واتساع الدائرة التي أخذ يطال أفرادها، حيث لم يقتصر العنف على تعذيب مشتبه فيه أو متهم في أماكن الاحتجاز المتنوعة التي تراوحت بين الأقسام والمعسكرات، فعلى الجانب الآخر تنامت السياسات الأمنية العقابية ورصدتها تقارير المنظمات الحقوقية، فقد أبدت الملاحظات التي جاءت في تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان للعام 1988 تخوفًا مُلِحًّا من الظاهرة وأطلقت عليها مسمى الحملات الأمنيَّة، أشار التقرير المذكور إلى تصاعد هذه الحملات باضطراد يثير التوجُّس والقلق، الحملات الأمنيَّة التي عناها التقرير هي تلك الهجمات التي تقوم بها قوات الشرطة في إطار التأديب أو العقاب الجماعي لمنطقة أو قرية أو شارع، وتضم صورًا وأشكالًا عديدة من العنف من دون أن تستهدف شخصًا بعينه، إذ أنها تُمارَس بقصد الترويع وتأكيد السيادة المطلقة للسلطة التي لا ينبغي استفزازها أو إغضابها.

ثم يناقش الفصل ظهور نمط جديد من العنف الذي تمارسه الشرطة خارج الإطار المنهجي المعتاد في بداية الألفيَّة الثالثة مع التحليل فإن العنف المنهجي المدروس يُمَارَس على نطاق شديد الاتساع في أغلب أقسام الشرطة المصريَّة ومقار الاحتجاز، بالطرق نفسها والوسائل المتبعة، والأدوات نفسها المستخدمة، وباشتراك أكثر من فرد في معظم الحالات.. المحصلة النهائيَّة تشير إلى أنه لا يمكن تصنيفه في إطار الأحداث الفردية أو الاستثنائية وأنه يُمَارَس بمعرفة السلطة الأعلى، وأن هناك اتفاقًا ضمنيًّا غير موثق بين مرتكبيه.. في العام ألفين واثنين.. ورد إحصاء بأقسام الشرطة التي أبلغ مواطنون عن تعرضهم للتعذيب فيها، وبلغ عددها 38 قسمًا، أما في الفترة ما بين العام ألفين وثلاثة والعام ألفين وستة، فقد بلغ العدد ما يزيد على 88 قسمًا للشرطة، مورس فيها العنف والتعذيب ضدّ عددٍ هائل من المواطنين.

وفي الفصول التالية يلقي الكتاب الضوء على صورة الشرطي التي تكونت في وعي المواطن وعلى مدار سنوات من القمع المتواصل، ثم يتعرَّض للعوامل والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن في ظلِّها فهم التطور في العلاقة بين الشرطة كونها أداة تنفيذية للدولة والمواطن، وطرفًا أصيلا في عقد اجتماعي ينبغي أن يضمن له حقوقًا غير خاضعة لأية مساومات، وينتهي الكتاب باستعراض ردّ فعل المواطن على كم العنف الموجه إليه ومآل العقد الاجتماعي الذي أصابته الشروخ في جهات متعددة، فقد تنبأ الكتاب الذي صدر قبل أيام قليلة جدًا من ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، بغرض اللحاق بمعرض الكتاب والذي كان قد تقرر افتتاحه في التاسع والعشرين للشهر نفسه، قبل أن يتم تأجيله إلى أجل غير مسمى أو إلغائه، بما حدث يوم جمعة الغضب 28 يناير، حيث أوردت الباحثة في نهاية الكتاب فصلا بعنوان الأدوار المتبادلة والذي يستعرض ردّ فعل المواطن على كمّ العنف الموجَّه إليه، من خلال استباحة المواطن للقانون، وما تستبيحه الشرطة لنفسها، واستباحة المواطن للشرطة، ثم انفراط العقد وغياب الدولة حيث أشارت تحديدًا تحت بند واستباحة المواطن للشرطة أنه لم يعد في استطاعة الناس تحمُّل مزيدٍ من القهر والإذلال من دون أن يلمسوا أي أمل في تحقيق تقدم أو بناء مستقبل أفضل، فلا الدولة المستبدة قادرة على تحقيق مستوى معيشة مقبول، ولا هي تحفظ لهم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.. لم تعد العلاقة بين المواطن والدولة وعسكرها مبنيَّة على الخوف والخضوع فقط؛ بل تلونت بكثير من التحدي والعداء.

ويؤكِّد الكتاب أن مقتل الشاب السكندري خالد سعيد بعد ضربه وتعذيبه في الشارع على يد اثنين من أفراد الشرطة أحدث تغييرًا كبيرًا في وعي الناس، من ناحية فإنه جذب اهتمام الكثيرين إلى قضايا التعذيب والعنف الأمني، ومن ناحية أخرى دفع بحركة واسعة منظمة انتقلت إلى الشارع عبر الإنترنت؛ هدفها الأول ـ كما يبدو ـ هو متابعة الإجراءات والتطورات لعدم نسيان القضية والضغط لضمان عقاب عادل لمرتكبي الجريمة، الآليات التي اتبعتها هذه الحركة شجعت الكثيرين على الانضمام لها؛ إذ لم تدع إلى عمل ميداني عنيف، بل على العكس؛ فإنها استخدمت وسائل غاية في البساطة والذكاء تحايلت بها على جميع الأفعال التي تجرمها حالة الطوارئ، من ثم؛ فإنها قد أوجدت ليس فقط تعاطفًا، بل ومشاركة متزايدة من الناس العاديين، المثابرة والإصرار على التذكير بمقتل الشاب أحدث تطورًا جديدًا في الأداء، فقد جرت العادة على أن تفتر الحماسة المصرية سريعًا وينسى الناس بسرعة أكبر مآسيهم ويعتادوا على أزماتهم، وهو الأمر الذي ظهر جليًّا في الثورة التي قام بها الشعب المصري في 25 يناير من العام الحالي، ولعبت تلك الحادثة دورًا كبيرًا في التمهيد لتلك الثورة العظيمة التي لم يشهد التاريخ المعاصرُ لها مثيلا.

والكتاب على صغر حجمه يعطينا إضاءة على تلك العلاقة المتوترة ومسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن المصري عبر التاريخ.

د. ياسر متولى

http://yassermetwally.com

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: