الحب العذري , و الحب الافلاطونى

يحكى عن العذريين :

حدث أبو عمرو بن العلاء قال : حدثني رجل من تميم قال "خرجت في طلب ضالة لي ، فبينما أنا أدور في ارض بني عذره أنشدها إذا ببيت منعزل عن البيوت وفي كسره شاب مغمى عليه ، وعند رأسه عجوز بها بقيّة جمال ساهية ، تنظر إليه ، فسلمت عليها فردت السلام فسألتها عن ضالتي فلم تعلم بها .

فقلت من هذا الفتى ؟ قالت ابني فهل لك في أجر لا مئونة فيه ؟ فقلت والله أني أحب الأجر فقالت: أن ابني يهوى ابنة عم له علقِها وهما صغيران فلما كبرت خطبها غيره ، فأخذه شبيه الجنون ، فخطبها إلى أبيها فمنعه وزوجها غيرة ، فنحل جسمه واصفر لونه وذهب عقله ، فلما كان منذ خمس زفت إلى زوجها ، فهو كما ترى مغمى عليه لا يأكل ولا يشرب ، فلو نزلت إليه فوعظته؟ قال : فنزلت إليه فلم أدع موعظة إلا وعظته بها حتى قلت له : إنهن الغواني صاحبات يوسف ، الناقصات العهد وقد قال فيهن كثير :

هل وصل عزة إلا وصل غانية
في وصل غانية من وصلها خلف ُ

قال : فرفع رأسه محمره عيناه كالمغضب وهو يقول : لست ككثير ، إن كثيرا رجل مائق ، وأنا وامق ، ولكني كأخي تميم حيث يقول /

ألا لا يضرُ الحب من كان صابرا
ولكن ما اجتاب الفؤاد يضيرُ
ألا قاتل الله الهوى كيف قادني
كما قيد مغلول ُ اليدين أسيرُ

فقلت له إنه جاء عن نبينا (صلى الله عليه وسلم) أنة قال : من أصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابة بي ، فأنشأ يقول /

ألا ما للملحية لم تعدني
أبخل ٌ بالمليحة ِ أم صدودُ ؟
مرضت ُ فعادني أهلي جميعا ً
فمالك لم تُرى فيمن يعودُ ؟
فقدتك بينهم ، فبكيتُ شوقا ً
وفقدُ الألفِ يا أملي شديدُ
وما استبطأتُ غيرك فاعلميه
وحولي ، من ذوي رحمي ، عديدُ
ولو كنت المريضَ لكنتُ أسعى
إليكٍ وما يهددني الوعيدُ

ثم شهق شهقة وخفت خفته فداخلني أمر ما داخلني مثله قط والعجوز تبكي ، فلما رأت ما حل بي قالت : يا فتى لا ترع ، مات ، والله ، ولدي بأجله واستراح من تباريحه وغصصه ، فهل لك في استكمال الصنيعة ؟ .

قلت : قولي ما أحببتِ ، قالت : تأتي البيوت فتنعاه إليهم ليعاونوني على رمسه [دفنه] ، فأني وحيدة ، فركبت فرسي وأتيت البيوت رافعا صوتي بنعيه ، فلم ألبث أن خرجت لي جارية من أجمل ما رأيت من النساء ، ناشرةً شعرها ، حديثة عهد بعرس ، تقول بفيك الحجر المصمت ، من تنعى ؟ قلت : أنعي فلانا ، قالت : أوقد مات ؟ قلت : أي قد مات ، قالت فهل سمعت له قولا ؟ قلت أللهم شعرا ، فقالت : ما هو ؟ فأنشدتها أبياته ، فاستعبرت وأنشأت تقول /

عدا بي أن أزوركَ يا مرادي
معاشرُ كلهم واش ٍ حسود
أشاعوا ما علمت من الدواهي
وعابونا وما فيهم رشيدُ
فأما إذا ثويت اليوم لحدا َ
وكل الناس دورهم لحودُ
فلا طابت لي الدنيا فراقا
ولهم ولا أثري العديدُ

ثم شهقت شهقة مغشيا عليها وخرجت النساء من البيوت فاضطربت ساعة وماتت ، فو الله ما برحت حتى دفنتهما جميعا" [المقامات الحريرية نقلا عن الحب العذري ص39]
كذلك لا تقل قصة الشاعر عروة بن حزام حبيب عفراء فجيعة عن القصة سابقة الذكر .

فهو أيضا أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى ، فهو قد أحب عفراء صغيرا وبادلته الحب فلم يشأ عمه أن يزوجها منه بل زوجها من رجل أموي ، غني ، رحل بها إلى الشام فلحق بها عروة وأخذ يتغزل بها /

يا عُفرُ إن الحي قد نقضوا
عهد الإله وحاولوا الغدرا

وهو ككل الشعراء العذريين ، حزين دائم الحزن ، مهموم كثير الهم ، واجم لا يتكلم ، قلبه في خفقان مستمر ، يغمى عليه دائما ولا يستفيق إلا إذا ألقي على وجهة خمار أهدته إليه عفراء . [الأغاني ج20ص154 نقلا عن الحب العذري 62]

ولقد حاول الأطباء ومهرة السحر والعرافين عبثا أن يشفوه من مرضه ، فلقيه بن مكحول عراف اليمامة وسأل عن سبب أوجاعه أبه ِ خبل أم جنون ؟ فأجابه /

فما بي من خبلٍ ولا جنة ٌ
ولكن عمي يا أخي كذوب
أقول لعراف اليمامة داوني
فإنك أن داويتني لطبيب

ولما عجز الأطباء عن مداواته أخذه البكاء والهلاس حتى قال الناس "والله أنه لمسحور، إن به لجنّة ، أنه لموسوس" .

ما هو الحب العذري ؟ :

ليس هو في الحقيقة سوى حب يؤدي بصاحبه إلى الهزال والاصفرار والنحول ثم تموت ، وهو حب طاهر ، لا يعترف بحق الجسد وشهواته وتمتعه بلذات الحب ، والحبيب العذري حبيب رقيق، صادق في حبه حتى الموت ، وتضرب به الأمثال ، لا يسمن لأنه لا يأكل ، ينهش داء السل رئتيه نهشا وما داؤه في الحقيقة غير عشيقة ، أما دواؤه فهو الحبيب لكن دون الصول إليه أهوالا وأهوالا ! .

الحب الأفلاطوني وعلاقته بالحب العذري :

تخيل أفلاطون في كتابه المائدة (the symposiumon) حفلة من الحفلات اليونانية القديمة ضمت رهطا من مختلف طبقات المجتمع اليوناني بينهم الطبيب والمحامي والأديب والشاعر والفيلسوف ، فأخذ يبدي كل منهم رأيا في الحب ، حسب هواه ، وحسب ما يتعقد أنه من الواجب أن يكون .

فالواحد يرى أن الحب كثير الخيرات للمجتمع الإنساني ، فهو يوقظ في نفوس العشاق عاطفة الخجل من السقوط في هوة العار عاطفة التفاني في حب العلا التي تؤدي إلى القيام بكبار الأعمال وعظائم الأمور .

والآخر يفرق بين الحب الأرضي والذي تعرفه العامة وتهيم به كالبهم لما فيه من الشهوات الدنيئة ذلك الحب الذي يعش عباده الأبدان ولا يأبهون بالنفوس ، ويفضلون الجهل على العلم ويستهينون بالشرف والجمال ولا يعلمون إلا لإطفاء نيران شهوات الجسد ، وبين الحب السماوي الشريف الذي يوحي الإخلاص والنقاء ، ويعشق عباده القوة والجمال في العقل والجسم ، ذلك الحب الذي هو اشرف أنواع الحب لان غايته الفضيلة وكمال النفس لحسن الوجه وجمال الجسم ، ولأنة يقود الأفراد والجماعات للتفاهم فيما بينهم وللعمل معا بوئام في سبيل تقدمهم وسعادتهم .

وهناك من عرف الحب كسقراط بأنه "الرغبة الصادقة في امتلاك السعادة وامتلاك ما كانت صفته الخير" . والحب رغبة التوليد الروحي والجسدي بفعل حضرة الجمال ، لان القباحة والتشويه لا يلهمان النفس ولا يوحيان إليها . [الحب العذري ص42-44]

وسلم الحب في نظر أفلاطون تتألف من سبع درجات تختصر فيما يلي : –
• حب الجمال في شكل واحد معين .
• حب الجمال في كل الأشكال الجميلة .
• حب الجمال الروحاني وتفضيله على الجمال الروحاني .
• حب الجمال في المُثل التي تكشف عنها الفلسفة .
• حب الجمال المطلق .

وهذه الدرجات المختلفة متممه الواحدة منها الأخرى يجب أن يمر بها الإنسان ليعرف معنى الحب الأفلاطوني الصحيح ، وليتذوق طعم الجمال المطلق . هذا ملخص ما جاء في كتاب المائدة .

وهناك بعض الأدباء يخلطون بين الحب العذري والحب الأفلاطوني ، لكن الحقيقة عكس ذلك تماما ، فالحب الأفلاطوني يختلف عن الحب العذري في : –

• أن الحب الأفلاطوني كما جاء في كتاب المائدة ، يقوم في مدينة ناضجة ، لها علومها ولها فنونها ، بينما الحب العذري يقوم في بداوة . فالحب الأفلاطوني هو نتيجة درس عميق على أسس فلسفية ، حاول أفلاطون درسها وتحليلها ، لقد تناول موضوع الحب من وجوهه المختلفة ، وحللها تحليلا علميا ، وقسمه إلى أقسام مختلفة ودرس عوارضه وأسبابه ونتائجه وعدد فضائله ورذائله ، وبحث في أصل خلقه وفي أقوال الأساطير اليونانية ، فيما لا نرى شيئا نظيره في الحب العذري .

• الحب الأفلاطوني علمي عقلي يعبر عن نفسه بتعابير علميه عقليه . والحب العذري عاطفي خيالي ، يعبر عن نفسه بتراكيب شعرية خيالية . يلعب في الحب الأفلاطوني العقل والتفكير الرصين دورا هاما وتسيطر إرادة المحب الأفلاطوني على حبه فتسيره في طريق ممهد مرسوم . أما المحب العذري فهو مسير بعاطفته المحمومة الصادقة ، لا يدري إلى أين تؤدي به ولا كيف تنتهي آلامه وأحزانه .

• الحب الأفلاطوني وسيلة للخلق والإبداع والإنتاج ، أي ليس غاية بذاته بينما الحب العذري هو غاية بذاته لأنة ثورة نفسيه مكبوتة ، إن حاولت الانعتاق من عقلها صدتها التقاليد الاجتماعية الكبيرة والعادات العربية خنقتها في صدر صاحبها خنقا يؤدي به إلى الاصفرار والهزل .. ثم إلى الموت .

• في الحب الأفلاطوني يلزمك معلم يرشدك ويأخذ بيدك فيدلك على الخير والجمال ولا ينفتح عقلك للجمال المطلق إلا بعد أن تكتوي بنار العلم والفن والحكمة وليس شيء من مثل هذا في الحب العذري .

• للحب الأفلاطوني موضوع نهائي هو الله أو الجمال المطلق المجرد عن المخلوقات . بينما موضوع الحب العذري ليلى وعفراء .. وغيرهن .

• في الحب الأفلاطوني تلمس شيئا من جذب الحبيب إلى الجمال المطلق . بينما العادات والتقاليد الاجتماعية الموروثة عند العرب وقفت حاجزا منيعا في تقريب الحبيب من حبيبته . [الحب العذري ص48-49]

نموذج من الشعراء العذريين (مجنون ليلى) :

لعل أبرز تلك النماذج هي مجنون ليلى ، وسوف نسقط الضوء على بعض أشعاره ، ونبرز صورة الحب العذري من خلاله ، ولكن قبل ذلك نمر بإيجاز على قصة قيس مع حبيبته ليلى وكيف وصل إلى ما وصل إليه من حب وهيام .

تبدأ القصة من الصغر ، كما هي عادة غالبية الشعراء العذريين ، فهو أحبها وهي طفلة ترعى معه الأغنام وسرعان ما كبرت وحجبت عنه ، فتقدم لخبطتها ولكن أباه رفض معللا ذلك بأنه يخشى العار والفضيحة من قبل الناس ، فقد ذاع صيت أبنته وحبيبها قيس ، لذلك زوجها رجل غيره ، فأخذ قيس يهيم في البراري يطلب ود ليلى حتى فقد عقله ، ثم مات ، وفي مراسم دفنه أتى أبو ليلى نادبا حظه على ما فعل وقال لو علمت أن هذا سيحدث لزوجته إياها ولكني خفت من الفضيحة ، وفي ذلك اليوم خرجت جميع النساء تبكي على هذا العاشق المجنون .

مات قيس وبقية أشعاره تصدح بها الأرجاء ، فقد كانت نفسه تشتاق إلى البكاء وتستطبه كاشتياق الرمال المحرقة إلى قطرة الغيث الباردة . كان إذا اشتد شوقه إلى ليلى يمر على آثار المنازل التي كانت تسكنها فتارة يقبلها وتارة يلصق بكثبان الرمل وينقلب في حافتها وتارة يبكي وينشد /

أمرُ على الديار ديار ليلى
أقبلُ ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا

والتوباد ! جبل نجد المحبوب ! كم له من ذكريات طيبة في قلب شاعرانا كم صرف الليالي مشيا على الأقدام ، قاطعا الفيافي والأودية للوصول إليه ، حتى إذا رآه تنفس تنفسه خرجت معها فلذة فؤاده وصاح منشدا /

واجهشت للتوباد حين رأيته
وكبر للرحمن حين رآني
وأذريتُ دمع العين لما عرفته
ونادى بأعلى صوته فدعاني

ولكنه ما كان ليراه فلطالما كان يتيه حتى يصل إلى بلاد الشام فيسأل التوباد فيضحك الناس منه .
ونجد أغنية حلوة في قلب الشاعر وبسمه طريقه في فمه يكرره في أكثر أبياته الشعرية ترنيما به وتلذذا بساكنيه /

رعى الله من نجد أناسا ً أحبهم
فلو نقضوا عهدي حفظت لهم ودّي
سقى الله نجدا والمقيم بأرضها
سحاب غواد ٍ خاليات ٍ من الرعد
أحن على نجدٍ فيا ليت أنني
سُقيتُ على سلوانه ٍ من هوى نجدٍ
ألا حبذا نجدٌ وطيب ترابه ِ
وأرواحه إن كان نجدٌ على العهد !!

ورافقه خيال ليلى في حله وترحاله حتى إذا قام يصلي يمم وجهة نحوها أو رآها تسير لحقها حيث تذهب وإن خالف بذلك قواعد الدين /

أعد الليالي ليلة بعد ليلة
وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا
أراني إذا صليت يممت نحوها
بوجهي وإن كان المُصلى ورائيا
وما بي إشراك ولكن حبها
كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا
أحب من الأسماء ما وافق أسمها
وأشبهه أو كان منه مدانيا

وأخيرا بلغ اليأس منه مبلغا لا يطاق وتضيق به الدنيا فلا يعرف ماذا يفعل وإلى من يلتجئ ، ويحاول أن يعرف ما ذنبه ولم أصبح على هذه الحالة المحزنة ، فلا يصل جواب حاسم مُرض ٍ ، فيستولي عليه القلق ويغمره ضباب اليأس والحيرة فلا يجد منفذا ليأسه وشجونه سوى الشعر /

فو الله ِ ثم الله إني لدائب
أفكر ما ذنبي إليها وأعجب
و والله ما أدري علام قتلتني
وأي أموري فيك يا ليل اركب
أأقطع حبل الوصل فالموت دونه
أم أشرب رنقا منكم ليس يشرب ؟
أم أهرب حتى لا أرى لي مجاورا
أم أصنع ماذا ؟ أم أبوح فاغلب ؟
فايهما يا ليل ما ترتضينه
فأني لمظلوم وأني لمتعب

وبلغ شديد حبه وهيامه بليلى أن سدت في وجهة أبواب العالم فلم يعد يرى غيرها في العالم حتى روي أنه "كان إذا نظر إلى الوحش قال ليلى ، وإن نظر إلى الجبال قال ليلى ، وإن نظر إلى الناس يقول ليلى ، حتى إذا قيل له ما أسمك ؟ وما حالك ؟ يقول : ليلى" ..

د. ياسر متولى

http://yassermetwally.com

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: