الأطفال الرُضّع يُدركون.. مقاصد أفعال الناس…فيما لا يزال بعض البالغين يتخبط في فهمها

مقدمه

من الطبيعي أن لدى كل إنسان رغبات يطمح لبلوغها، وأهدافاً يعمل على تحقيقها فوق أرض الواقع. وإن من الممكن أن ينجح الإنسان في الوصول إلى ما يصبو، ومن الممكن أن يفشل. وأن أفعال الناس إما أن تكون عفوية لا قصد من ورائها، أي صدرت عنهم كردة فعل أو فعل ابتدائي بريء عن أي قصد، وإما أن يقوم الإنسان بتلك الأفعال عن قصد دفين في نفسه ولتحقيق أهداف معينة لديه. وأن تلك المقاصد والغايات، أو الوسائل الفعلية المُمَارسة لتحقيقها، قد تكون ذات صفات قبيحة شريرة ممقوتة أو ذات صفات حميدة سامية محبوبة. وأن الإنسان «الطبيعي» و«السوي» في قدراته العقلية العادية والأساسية، لديه قدرة «فطرية» و«غريزية» على التمييز بين صنفي صفات مقاصد وأفعال الناس. وأنه حينما يقوم الإنسان، المستجمع في كل وقت لقدراته الذهنية، أي من ذوي «الأحلام والنُهى»، بتأمل أفعال إنسان ما، أو مجموعة من الناس، فإن لديه قدرة على رؤية، بل وإدراك، جوانب من الأسباب الخفية والمكنونة التي تُحفز وتدفع هذا الإنسان إلى فعل تلك السلوكيات أو التصرفات.

وفي العالم هناك «مغامرون» في تصرفاتهم الهوجاء وغير المدروسة عواقبها، وممن لا يتحملون مسؤولية أفعالهم ونتائجها على أنفسهم وعلى الغير، وبالمقابل هناك «العقلاء». وقبل أن نسأل: متى يكتسب أحدنا «حسّ» معرفة «الخبيث» الأرعن من المقاصد تلك، و«الحميد» الحكيم منها؟، يكون السؤال الأهم: متى يبدأ الإنسان الطبيعي التحلي بـ «ملكة» فهم وإدراك أن أفعال الناس وتصرفاتهم منها ما هو عفوي ومنها ما تُوجد من ورائه أهداف وغايات ومقاصد؟ ولأن النفس لها طبّ وعلم، فإن ما يقوله الطب النفسي في هذا الجانب، يستحق أن يُعرض، خاصة إن كان نتيجة للتجربة العلمية المشاهدة.

وإلى فترة قريبة، كانت نتائج الدراسات الطبية النفسية تقول كلاماً مفاده أنه عند النظر إلى التصرفات والأفعال، فإن الطفل في عمر ما بين 15 و18 شهراً، أي أقل من عمر سنة ونصف، لديه القدرة على التفريق بين الأهداف والدوافع وبين التصرفات والأفعال. ولكن ما توصل إليه الباحثون النفسيون من جامعة متشيغن بالولايات المتحدة، المنشور في عدد فبراير الحالي بمجلة «سايكولوجيكال ساينس»، يقول إن الطفل في عمر 10 أشهر، هو مثل الشخص البالغ، لديه القدرة على فهم أن هناك نية وقصداً وأهدافاً من وراء قيام إنسان بفعل ما. وأن الطفل الصغير هذا يُدرك وجود قصد وهدف لدى منْ يقوم بالفعل أمامه، حتى حينما تكون تلك الأهداف غير واضحة أو جلية له، أي حين رؤيته لشخص يقوم بفعل شيء ما دون تحقيقه نتيجة من وراء القيام بذلك الفعل. بينما الأطفال الأصغر، أي في عمر حوالي 8 أشهر، يحتاجون إلى معلومة «النتيجة»، كي يُدركوا ما هو القصد والهدف من وراء قيام شخص ما بفعل ما. أي إنهم لا يستطيعون استنتاج أن ثمة قصداً، من ذاك الفعل، طالما لم يروا نتيجة لقيام الشخص بذلك الفعل. ورأى الباحثون أن الإنسان يتطور في قدرات فهم تصرفات وأفعال الناس التي يُشاهدها أو يسمع عنها.

وفي البداية، في الطفولة المبكرة جداً، نكون «سطحيين» في فهمنا لتلك الأفعال. ثم مع الوقت نكتسب ملكة إدراك أن أفعال الناس وتصرفاتهم إنما تصدر عن بواعث داخلية فيهم، كتحقيق المكاسب أو تفاعل العواطف أو تلبية احتياجات الاعتقادات. ولكي نجتاز ونعبر بمهارة بحر الأمواج المتلاطمة في اتجاهات شتى لمجتمعات الناس الذين نتعامل معهم بشكل مباشر أو غير مباشر، ونبلغ مرحلة «تحقيق ما نريد نحن»، علينا أن نُدرك ونفهم الدوافع الداخلية لتصرفات الناس المحيطين بنا. وخلال الدراسة قام الباحثون بتجارب من عدة مراحل على مجموعات من الأطفال بعمر 8 و10 و12 شهراً. وتضمنت التجارب ملاحظة نوعية متابعة ورد فعل هذه المجموعات من الأطفال المتفاوتين في العمر لرؤية شخص يقوم بأربعة سيناريوهات مختلفة لفعل «محاولة الوصول إلى كرة والإمساك بها». منها سيناريوهان للنجاح وللفشل في الوصول مباشرة إلى الكرة والإمساك بها، وسيناريوهان للنجاح وللفشل في محاولة نفس الشخص الالتفاف لتجاوز عائق بين يده وبين الكرة. وتم تقسيم الأطفال إلى مجموعتين، كل منها تضم مختلف مراحل العمر الثلاث. وفي المرحلة الأولى من التجربة، عرض الباحثون على المجموعة الأولى مشاهد محاولة الشخص تجاوز الحاجز ونجاحه في الإمساك بالكرة. وعرضوا على المجموعة الثانية مشاهد فشل الشخص في محاولته الإمساك بالكرة مع وجود الحاجز. وفي المرحلة الثانية عرضوا على المجموعتين السيناريوهات الأخرى.

 وما لفت أنظار الباحثين هو أن جميع الأطفال الذين شاهدوا نجاح الشخص في الإمساك بالكرة، اهتموا بمتابعة كيفية تمكنه من الإمساك بها عندما كان بينه وبينها حاجز. أما حين مشاهدة فشل بلوغ غاية إمساك الكرة، فإن الأطفال ما فوق سن 10 أشهر فقط هم الذين تابعوا كيفية محاولة ذلك الشخص التغلب على الحاجز للوصول إلى الكرة. بمعنى أن إدراك هؤلاء الأطفال، في سن ما فوق 10 أشهر، أن هناك رغبة لدى هذا الشخص في الوصول إلى الكرة، دفعهم لمتابعة محاولته الوصول إليها حتى لو كان هناك حاجز بينه وبينها. أما الأطفال الأصغر فلم يُدركوا أن أفعال ذلك الشخص نابعة من محاولاته الوصول إلى الكرة أصلا.

د. ياسر متولى

http://yassermetwally.com

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: