زيت الدماغ و الاضطربات الوجدانيه

مقدمه

  كانت منى فى الثلاثين من عمرها عندما أنجبت مولودها الثانى، بعد عام بالضبط على مولودها الأول، زوجها كان سعيدا وفخورا، السنة الماضية التى أمضياها مع طفلهما الأول كانت سلسلة من حلقات السعادة اليومية، ورغبتهما كانت شديدة فى إنجاب الطفل الثانى الذى جاء ليكمل أسرتهما، ولكن الزوج شعر بالمفاجأة عندما لاحظ أن منى لم تكن تبدو سعيدة، بل كانت كئيبة، لا تبدى اهتماما كافيا بالصغير الجديد، وتطلب أن يتركوها وحدها، وفى حالة من العصبية، وأحيانا تبكى دون سبب، حتى إرضاع طفلها الذى أحبته كثيرا مع طفلها الأول، أصبح يبدو لها وكأنه عمل تقوم به وهى مكرهة عليه. تقول الإحصائيات أنها حالة من كل عشر أمهات شابات، وهى ما أطلق عليه العلماء «اكتئاب ما بعد الولادة». منذ عشر سنوات فتح العالم أبوابا جديدة فيما يتعلق بمثل هذه الحالات،  لقد كان هؤلاء الأمهات ينخفض لديهن الاستهلاك اليومى لأحد الأغذية الأكثر أهمية بالنسبة للدماغ والمعروفة بـ«أوميجا 3» والتى لا ينتجها الجسم، وهى أساسية وضرورية لتكون الدماغ وتوازنه إلى درجة أن الجنين يمتصها بوجه خاص عن طريق المشيمة، ولهذا السبب فإن المخزون عند الأم – وهو قليل أساسا فى مجتمعاتنا العصرية – يهبط بصورة مرعبة خلال الأسابيع الأخيرة من فترة الحمل وبعد الولادة. أثبتت الدراسات والإحصائيات أن الاكتئاب والقلق والتوتر فى بلاد شرق آسيا هو أقل بما يتراوح بين ثلاث مرات وعشرين مرة عما هو عليه فى أوروبا، والشرق الأوسط، وأمريكا، وتعود هذه الأرقام – وفقا لما تقوله مجلة «لانسيت» – أن الفرق بين هذه البلدان يرجع إلى استهلاك الأسماك وثمار البحر و التى تعد غنيه بـ أوميجا 3
 .
  يشكل الدماغ جزءا من الجسم، وكسائر خلاياه، فإن خلايا الدماغ تجدد مكوناتها باستمرار، وبالتالى فإن خلايا الغد تتكون مما نأكله اليوم. وهنا لابد أن نعلم أن ثلثى الدماغ يتكون من الحوامض الدهنية، وهذه الحوامض هى المكونات الأساسية لأغشية الخلايا العصبية والتى يتم من خلالها جميع الاتصالات بين الخلايا العصبية فى جميع مناطق الدماغ والجسم، وأن ما نأكله يندمج مباشرة بهذه الأغشية ويشكل نسيجها.. فإذا ما كنا نأكل دهونا مشبعة مثل الزبد والدهون الحيوانية، والتى هى تتسم بالجمود، حتى دون وضعها فى الثلاجة، فإن جمودها ينعكس جمودا فى خلايا الدماغ، وعلى العكس من ذلك، إذا كنا نتناول دهونا سائلة على درجة حرارة الجو، فإن أغشية خلايا الدماغ تكون أكثر ليونة ومرونة، والاتصال فيما بينها يتم بشكل أكثر استقرارا وثباتا، وخاصة عندما تكون هذه الأغشية أكثر غنى بـ«الأوميجا 3». أما تأثيرات ذلك على السلوك،  فإنها ليست قليلة ويكفى أن تقول أنها تعيد التوازن إلى تصرفاتك فتبدو أكثر فاعلية وحضورا وتحضرا. وقد أثبت فريق من الباحثين الفرنسيين أن نظاما غذائيا غنيا بالأوميجا 3 يزيد على المدى الطويل من إنتاج المواد الناقلة لرسائل الخلايا الدماغية، التى تحمل الطاقة والانشراح إلى الدماغ . والسؤال الذى يطرح نفسه مع أهمية الدور الذى يلعبه الأوميجا 3 على حياتنا وصحتنا النفسية والجسدية، هو: أين نجد الحوامض الدهنية الأساسية من نوع أوميجا 3

 إن المصادر الأهم للحوامض هذه هى الطحالب والثمار البحرية، وهى تصلنا عن طريق الأسماك التى تختزنها فى أنسجتها الدهنية، والأسماك الطبيعية أكثر غنى من أسماك المزارع أو الأحواض الصناعية، ومن الأسماك الطبيعية سمك السلمون والأسماك الصغيرة بوجه عام مثل الأنشوجة غير المعلبة والسردين والرنجة وسمك التونة، حتى المعلب منها، يشترط عدم انتزاع الدهون منه، أو تصفيته، هناك أيضا مصادر نباتية للأوميجا 3 منها حبوب الكتان «كل يوم ملعقة طعام»، أو على شكل زيت، أيضا زيت الجوز، كذلك جميع الخضروات تحتوى على مادة تتحول إلى أوميجا 3، وإن كان بكمية أقل، أما مصادرها الأكثر غنى فهى أوراق الرجلة، والسبانخ، والطحالب البحرية. ويضيف الكتاب: إن الأعشاب والأوراق الطبيعية التى تتغذى عليها الحيوانات البرية كالماعز والأرانب البرية أكثر غنى بالأوميجا 3 من لحوم حيوانات المزارع، وجميع الزيوت النباتية لاتحتوى على أوميجا 3 باستثناء زيت بذور الكتان، ولذلك ينبغى التوقف عن استخدام جميع زيوت الطبخ العادية باستثناء زيت الزيتون والامتناع نهائيا عن زيوت القلى، التى تقوم بدور كبير فى أكسدة الأنسجة بسبب ما ينتج عنها من جذور حرة، كذلك الحد من استهلاك الزبد والقشدة ومنتجات الألبان، لأنها تحد من امتصاص خلايا الجسم للحوامض الدهنية من نوع أوميجا 3، وللتأكد عمليا من الحصول على كمية كافية من الأوميجا 3 ينبغى تناولها على شكل مكملات غذائية. تشير الدراسات إلى أنه للحصول على تأثيرات مضادة للاكتئاب ضرورة تناول ما يتراوح بين جرامين و ثلاثة جرامات يوميا من زيوت السمك سواء كبسولات أو سائل «شراب»، وتوصى العديد من الكتب بالجمع بين زيت السمك ومكمل فيتامينى مكون من مزيج من فيتامين E وفيتامين C والسيلينيوم للحفاظ على الأوميجا 3 من التعرض للأكسدة داخل الجسم. والغريب أن زيوت السمك هى الزيوت الوحيدة التى لا تسبب السمنة، فقد لاحظ العلماء أن المكتئبين الذين يتم علاجهم بزيوت السمك لا يزيد وزنهم رغم الكمية الكبيرة التى يستهلكونها يوميا، بل على العكس تماما، أن بعضهم قد فقد وزنه.

الغذاء للعقل والقلب

أثبت العلم أن للتغذية تأثيرا عميقا على معظم الأمراض الكبرى، ومع ذلك  بالكاد بدأ أطباء القلب يعترفون بذلك حتى وإن كانوا لا يصفون زيت السمك رغم الدراسات فى هذا المجال، ورغم التوصيات الرسمية التى تصدر حاليا من الجمعية الأمريكية لأمراض القلب، أما الأطباء النفسيون فهم لا يزالون بعيدين كل البعد، رغم علمهم بأن الدماغ يتأثر بالغذاء شأنه شأن القلب، فهو يتألم عندما نقوم بتسميمه، وهو يتألم أيضا عندما لا نغذيه بمكوناته الأساسية. أليس من الغريب حقا أن يكون الأمر قد استلزم مرور الفين وخمسمائة عام قبل أن يصل العلم الحديث إلى هذا الاستنتاج الذى كانت جميع العلاجات القديمة الطبيعية سواء كانت تبيتية أو صينية أو هندوسية أو إغريقية أو رومانية تصفه فى مقدمة اهتماماتها، فقد كان أبقراط أبو الطب يقول: «اجعل طعامك دواءك، ودواءك طعامك» كان ذلك منذ ألفين وأربعمائة عام!

للسيطرة على حالتنا النفسية وعلى دماغنا العاطفى المتحكم فى انفعالاتنا طرقا عديدة: الكلام مع القلب، حركات العين، الغذاء وما نتناوله من طعام.

د. ياسر متولى

http://yassermetwally.com

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: