الخوف الاجتماعى

مقدمه

القلق شعور طبيعي نشعر به جميعاً تحت ظروف نفسية معينة أو عندما نشعر بالخطر بغض النظر عن كون هذا الخطر حقيقي أو وهم. وليس القلق شعور طبيعي فقط بل هو أيضاً أسلوب حيوي ودفاعي فهو يجعل الفرد يقظاً وحريصاً وأعراض القلق تقوم بالتنبيه للخطر حتى يمكن تجنبه وكثيراً ما يكون القلق ضرورياً حتى يكثف الانسان طاقاته ومجهوداته من أجل إحراز الفوز أو النجاح مدفوعاً بخوفه من الفشل والهزيمة، وقد يزيد القلق فيجتاز حد التحفيز ويصبح عائقاً يحول بين الانسان وقدرته على التصرف ويسمى حينئذ بالقلق المرضي، وبعض منا بحكم تركيبته النفسية أو تربيته أكثر عرضة من الآخرين ليكون فريسة هذا القلق الذي قد يعاني منه بصورة مستمرة أو يأخذ شكل نوبات حادة ناتجة من التعرض لمواقف أو مخاوف معينة.

ومن المخاوف المادية الواقعية التي قد تستمر مع الانسان بالرغم من نموه تظهر لأول مرة في مراحل مختلفة من نضجه الخوف من الحيوانات والأماكن المرتفعة ومصاعد العمارات الكهربائية والسفر بالطائرات وغيرها. وهناك مخاوف تسمي المخاوف الاجتماعية وتتمثل في الخوف من لقاء الناس أو تناول الطعام في الأماكن العامة أو التواجد في الأماكن المغلقة أو المفتوحة أو المزدحمة أو الخوف من استخدام المواصلات مثلاً وقد يصل القلق في هذه المواقف إلى درجة تشل الانسان تماماً فتجعل منه حبيساً في منزله لا يستطيع الخروج لقضاء حاجياته أو التعامل مع الناس أو حتى من الذهاب لمكان عمله.

وقد أشارت الأبحاث خاصة في الدول الغربية أن المرأة أكثر عرضة من الرجل لمخاوف الأماكن المغلقة أو المزدحمة مثل السوبر ماركت وهذا يمثل مشكلة رئيسية لدى كثير من السيدات في أوروبا والتي تنعكس حدتها على الأسرة كلها لأن المرأة هي المسؤولة غالباً عن شراء متطلبات الأسرة من غذاء وملبس وغير ذلك، وكثيراً ما يظهر هذا الخوف بصورة حادة بعد حدث هام يخص المرأة والأسرة مثل وفاة عزيز أو غير ذلك، ولا توجد أدلة كافية تشير بوجود هذه الحالات في مجتمعنا ولكن لابد من مراعاة أنها قد تكون موجودة ومختفية لأن هناك أفراداً من الأسرة يقومون بهذه المهمة، غير أن مجتمعنا لا توجد فيه بكثرة الأسواق الضخمة ونظام السوبر ماركت، ولكن مما لا شك فيه أن فيه زحام.

والمخاوف الاجتماعية تمثل نسبة عالية من المخاوف التي يعاني منها الكثيرون، ولابد من الإشارة بأن الكثير من المخاوف الاجتماعية تنشأ عن قصور في اكتساب المهارات الاجتماعية وانعدام الثقة في النفس وترجع إلى الحرص الشديد من جانب الأسرة في تجنب اختلاط الأبناء مع الآخرين في سن مبكرة.

وإذا كان ما ذكرت يشكل جزءاً هاماً من المخاوف وهي المخاوف الحقيقية فهناك مخاوف أخرى وهمية تتعلق بالقلق الشديد من احتمالات وقوع أحداث سلبية في حياة الانسان مثل الخوف من المرض والفشل، وأهم من هذا كله الخوف من الموت. والأعراض الدالة على القلق تظهر في شعور الانسان بعدم الاستقرار والراحة وعدم مقدرته على الاسترخاء وشكواه الدائمة بأنه قلق ومهموم، وقد يأخذ القلق صورة عضوية مثل زيادة في ضربات القلب المصاحب بالعرق والتنفس السريع مع جفاف الحلق وحدوث التنميل في اليد بجانب فقدان المقدرة على التحكم في عضلات لجسم مما يؤدي إلى خلل في الحركة والتوازن والشعور بالقيء والإغماء.

والانسان القلق في حاجة دائمة للاطمئنان ويبحث عنه في كل انسان يقابله ويتحدث معه ولكن كثيراً ما تؤدي محاولات الآخرين للتخفيف من قلقه إلى نتيجة عكسية وهي تثبيت المخاوف ومن المعروف أن الشخص الذي يخاف من احتمال الإصابة بمرض ما لا يطمئن كثيراً من كثرة الفحوصات أو الزيادة المتكررة للأطباء والتي على العكس قد تؤكد الخوف وتساعد على استمرار القلق.

ـ العلاج السلوكي:

تتصدر العلاجات السلوكية قائمة العلاجات التي تستخدم في التحكم في القلق الناشئ عن مخاوف حقيقية وهذا النوع من العلاج مبني على النظرية التعليمية في السلوك والتي تعتبر هذه المخاوف نوعاً من السلوكيات الغير صحيحة والتي نشأت في الانسان نتيجة أسلوب تربوي خاطئ ويهدف العلاج بهذا إلى تطبيع هذا السلوك.

والتعرض للمخاوف ومواجهة القلق الناتج عنها هو محور هذا العلاج والهدف منه هو ترويض الانسان لقلقه والنجاح في تطويعه لصالحه، وقبل البدء في مواجهة مصدر الخوف يحاول المعالج مساعدة المريض على التحكم في عضلات الجسم وتمرينها على الاسترخاء من أجل السيطرة على الشعور الداخلي بالتوتر النفسي، ثم يبدأ العلاج بمواجهة الشيء أو الموقف المخيف إما في الخيال أو الواقع بصورة تدريجية حتى يتم للمريض اعتياد القلق الناتج عنه والتعايش معه، وقد يتطلب العلاج ما بين عشرة واثنتي عشرة جلسة. وقد يأخذ العلاج صورة مكثفة تدفع الانسان الخائف إلى التعرض بصورة سريعة مباشرة ومكثفة لما يخاف منه مثل دفع الانسان الذي يعاني من الخوف من قيادة السيارات إلى قيادة سيارة في ظروف صعبة مثل فترة ازدحام المرور والهدف من هذه الجرعة المكثفة من الخوف هو إغراق المريض في خوفه فإذا ما تحمل هذا النوع من المواجهة الصعبة استطاع بعد ذلك مواجهة مخاوف في الظروف العادية وبالرغم من أن هذه الطريقة ناجحة لحد كبير إلا أن فيها من الخطورة ما يجعل معظم المعالجين يفضلون استخدام الأسلوب التدريجي في معالجة المخاوف. ومن الوسائل العلاجية الأخرى التي تستخدم في علاج المخاوف الاجتماعية هو تنمية الشعور بالثقة في النفس وتعلم المهارات الاجتماعية والذي يتم في غالب الأمر في محتوى جماعي يتعلم الفرد من خلاله كيفية التعامل مع الآخرين والوقوف على أسباب مخاوفه ونقط ضعفه، ومما يزيد من فاعلية هذا العلاج هو أن يرى المريض نفسه بصورة حية على شاشة التليفزيون ولهذا كثيراً ما يستخدم أسلوب تصوير المجموعة بكاميرات الفيديو من أجل هذا الغرض.

وهناك عقاقير توصف لعلاج القلق والانفعالات الناشئة عن التعرض للمخاوف وغالبية هذه العقاقير تنتمي إلى مجموعة تعرف علمياً (بالبينزوديازيبين) واشهرها الفاليوم والأتيفان إلا أن استخدامها يكون مقصوراً على الحالات التي تكون حدة القلق فيها عالية لدرجة تحول بين المريض وبين مواصلة أعماله ومسؤولياته اليومية وينصح أن يكون وصفها لمدة قصيرة لا تزيد عن الثلاثة شهور لأن تعاطيها المستمر يجعل المريض عرضة للاعتماد عليها، وقد تعرضه أيضاً لاضطرابات نفسية تنشأ من توقف العلاج وهذا التنبيه ليس يقصد به إثارة المخاوف في المريض أو دفعه للخط بين هذه العقاقير والعقاقير الضرورية لعلاج الحالات الأخرى والتي قد تتطلب العلاج المستمر طويل المدى.
د. ياسر متولى

http://yassermetwally.com

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: